أحمد بن علي القلقشندي
464
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جميع أقطار الأرض ، وهي فرضة بلاد المغرب ، والأندلس ، وجزائر الفرنج ، وبلاد الروم ، والشام وشرب أهلها من ماء النيل ، من صهاريج تملأ من الخليج الواصل إلى داخل دورها ، واستعمال الماء لعامة الأمر من آبارها ، وبجنبات تلك الآبار والصهاريج بالوعات تصرف منها مياه الأمطار ونحوها ؛ وبها البساتين الأنيقة ، والمستنزهات الفائقة ، ولهم بها القصور والجواسق ( 1 ) الدقيقة البناء ، المحكمة الجدر والأبواب ، وبها من الفواكه والثمار ما يفوق فواكه غيرها من الديار المصرية حسنا مع رخص الثمن ؛ وليس بها مزارع ولا لها عمل واسع ، وإن كان متحصّلها يعدل أعمالا : من واصل البحر وغيره ؛ وهي أجلّ ثغور الديار المصرية ، لا يزال أهلها على يقظة من أمور البحر والاحتراز من العدوّ الطارق ؛ وبها عسكر مستخدم لحفظها . قال في « مسالك الأبصار » : وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها موسوم بنيابة السلطنة ( 2 ) سواها . قلت : وهذا فيما تقدّم حين كانت النيابة بها صغيرة في معنى ولاية . أما من حين طرقها العدوّ المخذول من الفرنج في سنة سبع وستين وسبعمائة واجناح أهلها وقتل وسبى ، فإنها استقرت من حينئذ نيابة كبرى تضاهي نيابة طرابلس وحماة وما في معناهما ، وهي على ذلك إلى الآن ؛ وسيأتي الكلام على نيابتها في الكلام على ترتيب المملكة فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى .
--> ( 1 ) جمع جوسق وهو الحصن ؛ معرّب وأصله « كوشك » بالفارسية . والجوسق هو القصر أيضا . ( اللسان : 10 / 35 ) . ( 2 ) كانت الأمبراطورية المملوكية تنقسم إلى جملة أقاليم ، كل منها يسمى مملكة ولذلك كانت تسمى بمجموعها بالممالك الإسلامية . وقد قسمت الشام إلى ممالك وإن عرفت أيضا بالنيابات ، وهي ست نيابات . وكان الذين يعينون في هذه النيابات أو الممالك يعرفون « بنواب السلطنة » . ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى : 344 ) .